محمد متولي الشعراوي
6366
تفسير الشعراوى
ونسوا أنهم قد عرضوا الثروة عليه من قبل « 1 » . وهكذا وضح لمن عرض عليه هذا الأمر أن مسألة الكنز لا تشغله صلّى اللّه عليه وسلّم . والكنز « 2 » - لغويّا - هو الشئ المجتمع ، فإن كانت الماشية - مثلا - مليئة باللحم يقال لها : « مكتنزة لحما » ولكن كلمة « الكنز » أطلقت على الشئ الذي هو ثمن لأي شئ ، وهو الذهب . ولذلك قال الحق سبحانه : وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ وَلا يُنْفِقُونَها فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَبَشِّرْهُمْ بِعَذابٍ أَلِيمٍ . . ( 34 ) [ التوبة ]
--> ( 1 ) ذلك أن عتبة بن ربيعة ، وكان سيدا قال يوما وهو جالس في نادى قريش ، ورسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم جالس في المسجد وحده : يا معشر قريش ، ألا أقوم إلى محمد فأكلمه وأعرض عليه أمورا لعله يقبل بعضها فنعطيه أيها شاء ، ويكف عنا ؟ فقالوا : بلى يا أبا الوليد ، قم إليه فكلمه ، فقام إليه عتبة حتى جلس إلى رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم ، فقال : يا بن أخي ، إنك منا حيث قد علمت من السّطة ( الشرف ) في العشيرة والمكان في النسب ، وإنك قد أتيت قومك بأمر عظيم فرّقت به جماعتهم ، وسفهت به أحلامهم ، وعبت به آلهتهم ودينهم وكفّرت به من مضى من آبائهم ، فاسمع منى أعرض عليك أمورا تنظر فيها لعلّك تقبل منها بعضها . فقال له رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم : قل يا أبا الوليد أسمع . قال : يا بن أخي ، إن كنت إنما تريد بما جئت به من هذا الأمر مالا جمعنا لك من أموالنا حتى تكون أكثرنا مالا ، وإن كنت تريد به شرفا سودناك علينا حتى لا نقطع أمرا دونك ، وإن كنت تريد به ملكا ملكناك علينا . . . حتى إذا فرغ عتبة ، قال له صلّى اللّه عليه وسلّم : « أقد فرغت يا أبا الوليد ؟ قال : نعم . قال : فاسمع منى . قال : أفعل ، فقال : حم ( 1 ) تَنْزِيلٌ مِنَ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ ( 2 ) كِتابٌ فُصِّلَتْ آياتُهُ قُرْآناً عَرَبِيًّا لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ ( 3 ) [ فصلت ] . ثم مضى صلّى اللّه عليه وسلّم فيها يقرؤها عليه ، فلما سمعها منه عتبة أنصت لها ، وألقى يديه خلف ظهره معتمدا عليهما يسمع منه . فلما عاد إلى قومه قال لهم : خلّوا بين هذا الرجل وبين ما هو فيه ، فاعتزلوه ، فو اللّه ليكونن لقوله الذي سمعت منه نبأ عظيم ، فإن تصبه العرب فقد كفيتموه بغيركم ، وإن يظهر على العرب فملكه ملككم ، وعزّه عزكم ، وكنتم أسعد الناس به . [ من سيرة النبي لابن هشام 1 / 293 ، 294 - بتصرف ] . ( 2 ) كنز المال يكنزه كنزا : جمعه وادّخره . قال تعالى : . . هذا ما كَنَزْتُمْ لِأَنْفُسِكُمْ فَذُوقُوا ما كُنْتُمْ تَكْنِزُونَ ( 35 ) [ التوبة ] وقال تعالى : . . وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ وَلا يُنْفِقُونَها فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَبَشِّرْهُمْ بِعَذابٍ أَلِيمٍ ( 34 ) [ التوبة ] والضمير راجع إلى الفضة لقربها في الذكر ، ولأنها أقل قيمة ، فمن يبخل بها يبخل بالذهب من باب أولى . [ القاموس القويم ] .